لم ينفع البكاء على الأطلال العرب يوماً، منذ المعلقات التي خلدت حزننا على الماضي، وإنشدادنا إليه. ولعلّ بكاء ابي عبدالله محمد الحادي عشر، آخر حاكم عربي للأندلس، عندما غادر القصر مع عائلته الى المنفى، إذ دخلها الاسبان عام 1492م، وقول أمه له"لا تبك كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال"، كان يمكن أن يكون درسا لكل الأمة، لولا أن التاريخ أثبت أنها لا تتعلم من دروسه.

هذا القول هو أبرز زجر لهذا المنطق الذي لما نزل نحاكيه. وتطل مأساة فلسطين درساً صارخاً في مسيرته: رفضنا عام 1948 تقسيمها، وقاتلنا لإستردادها، وخضنا مذّاك حروباً زادت في الساحة المغتصبة، وزادت في عُريِنَا .
لماذا؟ 
لأننا أهل كلام ولغو، لا أهل تخطيط، بدليل أن ما بقي من ماضينا في التداول الأهلي ليس سوى الشعر والأمثال، أما إنجازات الجدود في العلمِ والمعرفةِ فمطموسٌة ومنسية. لم نقصّر في عدم البناء عليها، فحسب، بل تَناسيناهُا حتى نَسيناها.
ما يجري اليوم من محاولة استلحاق ما فاتنا من تخطيط لمستقبل، صار كثيره ماضيا، قد لا يسمح بردم الحفر الحضارية التي تركناها تتسع، حين غرقنا في قشور التقدم العلمي والتقني، وعشنا في ضواحي القرية الكونية الواحدة، وليس في

لبها. أليس لافتا أن بريطانيا تدرس كيف تمنع روث البقر من بعث غازات تزيد الاحتباس الحراري، فيما نتردد، حتى اللحظة، في استخدام الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء في منطقة لا تغيب عنها الشمس إلا لتعود؟ يكفي أن يلتفت العرب إلى حصاد القرن الفائت، ويقارنوا بين ما "أنجزوه" في سنواته المئة وما أنجزته أوروبا، جارتهم اللصيقة، عدا ما حققته آسيا الأخرى، أي الصين واليابان والنمور الخمسة الشهيرة: حققت أوروبا وحدتها الجمركية، وأزالت الحدود بين دولها، واعتمدت عملة واحدة، وربطت الجزيرة البريطانية بالقارة، ونافست الولايات المتحدة في متانة الإقتصاد والنقد، وتفوقت عليها، وقاسمتها أساطيل شركات الطيران. والأهم أنها حققت المواطنة الأوروبية. يزداد العجب إذ أتذكر قول وزير الخارجية الفرنسي السابق كلود شيسون، لي شخصيا،أن البناء الأوروبي الموحد استند، في بدايته كسوق إقتصادية، إلى نصوص مشروع السوق العربية المشتركة الذي كان العرب اقروه، منتصف الخمسينات، في احد مؤتمرات القمة.
أعتقد أن لب الأزمة في العالم العربي، أن لا أحد يملك استراتيجية في أي مجال، فنفاجأ مثلا بتواطؤ أميركي – ايراني، أو تفاهم اسرائيلي – ايراني، واسرائيلي - تركي، وتركي – ايراني. لم نفهم بعد أن السياسة مصالح، سواء بين الدول أو بين الأفراد، ولم تزل قيادات عربية تعتقد أن وضع الخشم على الخشم، يعني الإلتزام الأبدي، ومن يريد دليلا فليراجع الحوار الصامت الأميركي – السعودي – الايراني، وما يجري في سوريا والعراق ولبنان.

أليس في هذه الصورة ما يدعو إلى البكاء على الأطلال؟      
                            أفضل أن نقف لنحكي، فذلك أجدى، إذ يفتح الأعين على ضرورة علاج تخلفنا عن الركب العالمي، بدل ان نبكي، فترمد العيون ولا نعرف أين نحن.