كتب راشد فايد في النهار: كلما تعالى همس ديني، مسيس، من أي جهة، تداعى شعور عام بتزايد ابتعاد اللبنانيين عن معانى 14 آذار. كانت تلك لحظة اعلان هوية لبنانية حقيقية نابعة من وعي جمعي بشخصية وطنية افتقدناها منذ لبنان الكبير، واستغرقت ولادتها نحو 100 سنة لتتجلى في قلب بيروت، بعفوية وتلقائية، رمت الى الخلف بالشقاق الديني والتشققات المذهبية، وجعلت من يوالي، هذه وتلك، يتوارى خلف النسيان، بعدما عرته صرخة الاجماع اللبناني من تورية الأنا والأنتم المقابلة.
    ترنحت هذه التلقائية الوطنية الصافية عبر السنوات الـ 12 التي تلت يوم الانتفاضة، بفعل طائفية متأصلة في العمل السياسي، على ضفتي 14 و 8، في الاولى بخفر، وفي الثانية من دون وجل، وحتى بفخر، كما حال "حزب الله"، و"التيار الوطني الحر".
    لا يستطيع هذا التيار، كما حليفه الحزب، انكار "فضلهما"، لا سيما فضل رئيس الأول الحالي، في تجديد حيوية الانقسام الطائفي والمذهبي. فبين "حقوق المسيحيين" المزعومة وكذبة "لن تسبى زينب مرتين"، تحفّز كل من جهته، وزاوية رؤيته، ليدلي بدلو يناسبه، فتحركت اعتراضات صامتة على احتكار الموارنة حق الكلام بإسم كل المسيحيين، وعدد طوائفهم يفوق الـ 12، كما تجدد سؤال الآخرين عن حصصهم في الـ "ليغو" الوطني. وكما يقول المثل اللبناني "الفقر يوّلد النقر"، فإن تفاقم الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية جعلت كل جهة تفتش في نوافل الأمور عما تزعمه حقوقا للطائفة. فكان لافتاً زيادة ارتفاع الصليب على كنيسة مارجريس للموارنة، في وسط بيروت، كي يفوق ارتفاع مئذنة مسجد محمد الامين، أو صنع تمثال لمارشربل بإرتفاع 27 متراً، ووزن 70 طناً وعرض 7 أمتار، فيما يصرخ بعض السنة بضرورة عطلة يوم الجمعة الذي لا يستند الى اي نص ديني، ولكن الى منطق النكاية واثبات الوجود الذي لا يحتاج الى اثبات، ولتأكيد الدور وحتى الفوقية والتعالي والتمايز، كما حال جرس مار جريس.
    لم يكن ذلك ليقع لولا ان تاريخ الشعوب يقول إن المناكفات تحل مع البؤس الإجتماعي وغياب المشروع الوطني، وهو ما عليه لبنان منذ ولادته عام 1920.
    اليوم يتجدد اعلان سقوط السياسة في أحضان الدين، ويعبر سكان لبنان الى أبعد من حدوده. الى الديني. سقطت القومية العربية، وفي موازاتها الأم الحنون، فيما المشروع الوطني لم يعش سوى كبارقة خبت لحظة ولادتها. ولا يبدو ان لدى اي طرف في الطبقة السياسية قدرة على حمل مشروع يوحد هؤلاء "السكان" المتعايشين. على العكس من ذلك، يتزايد حاملو لواء التقوقع والتكاذب الوطني، ويكثر زعم محاربة الفساد، ولا نشهد طحنا للفاسدين.
    "شعوب" لبنان تتعايش بلا رؤية مستقبلية، وبلا مشروع تنمية وتقدم. لذا، تستعظم صغار الأمور وتتجاهل العظائم منها.

بيروت في 29/8/2017
                                                                             راشد فايد

    www.ANNAHAR.COM
This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.