تصر كثافة المواد الإعلامية المفتعلة، عبر وسائل التواصل الإجتماعي، والمقالات الصحافية، على الإيحاء بوجود تنسيق بين الجيش اللبناني، من جهة، وميليشيا "حزب الله" وجيش النظام السوري، من جهة أخرى، في معركة تحرير جرود القاع ورأس بعلبك. وعلى رغم تأكيد أمين عام الحزب، بعد صفقته مع "جبهة النصرة" في جرود عرسال، أن مقاتليه في معركة الجيش اللبناني ضد "داعش"، سيكونون مع جيش النظام الأسدي في الجهة السورية من الحدود المشتركة، أي أنه مستمر في دوره الإيراني المعتمد في سوريا، فإن "البيئة الحاضنة" تصر على مناقضة موقفه بسيل من الصور المركبة والأشرطة المصورة لمنتحلي صفة جنود يتحدثون بعبارات طائفية للإيحاء بأنهم يمثلون الحزب في الجيش ولو ارتدوا اللباس العسكري الوطني.
والحال، أن الحزب لم يشتهر، يوما، بديموقراطية داخلية، ولا وطنية، إلى حد تكذيب الأمين العام في ما أعلن، ما ينم عن الحاح على الإيحاء بوجود تنسيق ثلاثي لم تألُ قيادة الجيش جهدا في تكذيبه، انسجاما مع الحقائق الميدانية. فمن مصلحة الدولة العليا أن تبقى جزءا من الحرب الدولية- الإقليمية على الإرهاب، وتأخذ في الإعتبار الإتهامات الأميركية للحزب، وحرص واشنطن، وغيرها، على ألا تكون أسلحتها للجيش اللبناني في متناول ميليشيا الحزب المذكور، خصوصا أنها كثفت من الدعم قبيل فتح المعركة، وشهد ذلك مطار رياق. عدا أن ايحاء الحزب بالوصاية المضمرة على الجيش، سواء بالثلاثية الصدئة، او بعرض وضع إمكاناته في تصرفه، من موقع "الأخ الأكبر والأقدر" ليست مستساغة سوى لدى "ميليشيا الحزب" وليس في صفوف الجيش، أو الأغلبية الشعبية، وتناقض التزام لبنان بالقرات الدولية لاسيما الـ1701 الذي يحصر بالجيش اللبناني مسؤولية الدفاع عن الحدود.
أما الحزب، فله تقييم آخر: الوضع اليوم فرصة ذهبية لتأبيد الثلاثية التي يصر عليها، ولتمريرها لا بد من إظهارها واقعا ميدانيا، ولو تزويرا. فـ"أنجز" تحرير جرود عرسال بصفقة بدأت قبل أن يطلق النار، واستسلم الداعشيون لمقاتليه في القلمون، و"براءة الأطفال" في أعين الطرفين، وكأن لا مشكلة بينهما، ولا تناقض مذهبيا بين "الروافض" و"النواصب"، ولا مقامات شيعية هددت، ولا تهجير سوريين سنّة وقع، ما يعيد التساؤلات عن نشأة "داعش"، وقوتها المفاجئة.
عمليا، فإن ما تشهده الحدود الشرقية هو لهاث طهران، والحزب، لتكريس وجودها على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بعدما فشلت محاولات بعث الروح في العلاقات الرسمية بين بيروت ودمشق، فيما تلتقي منصات المعارضة السورية الثلاث في الرياض تمهيدا لاجتماعها، موحدة، مع وفد النظام في جنيف بعد شهر في حضور روسيا واميركا وتركيا.
استكمال  القضاء على "داعش" في المنطقة يفتح صفحة ترتيب "المقامات والقامات" الدولية، وهو ما تدركه طهران، فتستعجل تطويع الوقائع كي تخدم أهدافها.