كتب راشد فايد في النهار: ظهّر برنامج متلفز ادعاء اللبنانيات عموما، في أي سهرة اجتماعية، عدم الرغبة في الرقص، بحجة "ما بحب إرقص"، فيما ينخرطن عمليا، فيه ويبرعن. لكن المقدم التلفزيوني لم يفطن الى ان هذا المشهد قائم في الحياة السياسية، وبدل "ما بحب أرقص"، نشهد "ما بحب اتنازل". لم يبدأ ذلك بتراجع قوى في 14 آذار عن رفض تأييد الجنرال ميشال عون، فقانون الانتخاب بالنسبية، ثم التصفيق الخَفِر لعملية "الحزب" في جرود عرسال، وغدا تنسيقه مع الجيشين اللبناني والسوري.
    اليوم، يتصاعد الصوت "ما بحب نسّق مع الجيش السوري". فيما الرئيس نبيه بري، لا يكل في الدعوة إلى التنسيق مع الحكومة السورية حتى من طهران، منسجماً مع دوره في الثنائية الشيعية من موقعيه في مجلس النواب وحركة "أمل". وغدا يتبعه غاوو 8 آذار.
اعتياد التنازلات بدأ بـ"التحالف الرباعي" فالمصالحة المعيوبة بالغش الأسدي في زيارة الرئيس سعد الحريري لدمشق نهاية سنة 2009. يومها كان ما حدث زلزالا لقوى 14 آذار، وتلبية لواقعية عربية عموما، وسعودية خصوصا، رسمت درب النهاية لثورة ديموقراطية جدية ضد الهيمنة الأسدية على لبنان، شعبا ومقدرات. ما غاب عن تلك الواقعية، كان القدرة على مصارحة مريدي بناء الدولة واستعادة الاستقلال، الذين أطلقوا انتفاضة الأرز. عوملوا كقاصرين، ووُضعوا استدراجا امام واقع لم تنجل الى اليوم كل حيثياته.
    الأمر نفسه سيستعاد في قريب آتٍ. سيستيقظ الاستقلاليون على التعامل مع النظام الأسدي، من دون ان يقدم أحد، ممن كانوا يشكلون قيادات 14 آذار، تبريرا شجاعا للخطوة. فالتعامل مع الرأي العام الاستقلالي بأنه قاصر عن ادراك الحقائق يزيد القهر قهراً، والشعور بالغدر السياسي عمقاً. واليوم لا تغيب انباء طبخة التسوية السورية عمن يريد ان يعرف. والأحد الفائت، وعبر شاشة "روسيا اليوم" قال بسام الملك عضو الائتلاف الوطني السوري المعارض ان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أبلغ رياض حجاب رئيس الهيئة العليا للمفاوضات ان تكوّن المعارضة رؤية مشتركة، ووفدا كاملا من منصتي القاهرة وموسكو للاجتماع في الرياض في 15 آب، وان موسكو متفقة وواشنطن على مرحلة انتقالية مدتها سنة ونصف، تشمل بقاء الأسد في الحكم.
صحّت المعلومة أم لا، فإن هذه الحال تضع الحكومة عند مفترق: التجاوب مع ضغط الحزب للعودة إلى علاقات تقفز فوق المحكمة الدولية، وشهداء ثورة الأرز، أو علاقات الحد الأدنى كما مع حكومات 14 آذار؟ هل سنعود إلى المربع السابق أم الأسبق؟ فيما تدرجنا في الواقعية السياسية من سلاح الحزب، إلى دوره الإيراني، فسطوته على مفاصل الدولة، وسياستها واقتصادها، وعلاقاتها الدولية، وقرار الحرب والسلم.
هي لحظة امتحان لميزان القوى الحكومية وللعهد. والمنفذ الوحيد: الموقف العربي، أو الإستسلام للهلال الفارسي.