كتب راشد فايد في "النهار":أن تقول كلاما وتفعل نقيضه أمر يبدو أنه سيظل سمة الحياة السياسية. كان كذلك قبل الحرب في لبنان، ويستمر. ومثله أن يكون المسموح به لطرف، اليوم، غير مقبول من آخر غدا. مثلاً ان يُغتال الضابط الطيار سامر حنا في سجد بسلاح "حزب الله"، (28/8/2008) فأمر ينتهي بالسجن سنة وحتى أقل، لمن ألزمه التكليف الشرعي بتحمل المسؤولية، بعدما اُخفي القاتل الفعلي. وقد ترافقت المحاكمة مع حملة ضد الجيش عنوانها ماذا ذهب الضابط الشهيد يفعل بطوافته فوق أجواء الجنوب، بدل السؤال عمن أعطى الحزب سلطة ترسيم خطوط حركة الجيش.

    قبل ذلك  وفي العام 2006، انتهى تبادل اطلاق النار بين متظاهرين والجيش، في منطقة مار مخايل – الشياح بسبب تسعير الكهرباء، بسقوط قتلى من الجهتين ومحاكمة ضباط صار مآلهم عبرة لمن يعتبر اذا ما تواجه مع "البيئة الحاضنة". ولم يستنفر، من الجهة نفسها، من يسأل: من يسوغ لمدنيين أن يواجهوا الجيش بالرصاص؟ ولم يكتف الحزب، حينها،  بادعاء المظلومية لجمهوره، بل أرفقها بحملة بلغت حد التخوين الوطني.

     قبل أسبوع، توفي 4 لاجئين سوريين، بعدما اعتقلهم الجيش اثر مداهمة مخيمات اللجوء في وادي عرسال. وإذ طالب لبنانيون بجلاء حقيقة ما حدث، تثبيتاً لمقولة أن لبنان دولة قانون، حمل عليهم الطارئون في محبة المؤسسة العسكرية، والباحثون عن وضع المؤسسة في مواجهة طائفة بعينها، وبالغوا، الى حد يوحي للمواطن أنهم يريدون في لبنان، ديكتاتورية عسكرية أَفَلَت في المنطقة مع الربيع العربي. الأولون يريدون جيشا على صورة دولة يحلمون بأن تكون ديموقراطية حقيقية، والآخرون يريدونه فئويا على صورة ما كان في زمن مضى.

    بلغ التزلف للمؤسسة العسكرية، التي لا يختلف اثنان على انها المدماك الأول في حفظ بنية الدولة المتهاوية، حد انكار حق رئيس الوزراء بدعوة قائد الجيش ووزير الدفاع الى اجتماع، شدد على صون المؤسسة ودعمها، ونوه بحرصها على الجميع، وأكد الدعم غير المشروط لها.

الذين يطالبون بتحقيق جدي يريدون أن يحفظوا الجيش حاميا للقانون، ومن يحاولون تأليهه يسعون إلى "مونة عليه" وإبعاده عن شعبه وجعله سلطة بلا قانون: يقولون أمرا ويريدون عكسه، وهذه باتت من المعتاد في الحياة السياسية: ألا تتزايد الأصوات رافضة الطائفية؟ نعم. لكن أصحابها، أنفسهم، يحدثونك عن حقوق طائفتهم، حتى في نتائج مسابقات البريفيه والبكالوريا. ومثلهم من ينتقد "الذهنية الخدماتية" المتبعة "لإخضاع المواطن للسياسيين"، وهو منهم ومثلهم. وثالث يكيل اللعنات للفساد والفاسدين، ويتسامر الناس بقدرته على ابتداع أبواب الإستفادة من المال العام والمشاركة في الخاص.

إنه مرض الفصام السياسي. شقيق غير مجهول للفصام النفسي. الأخير له علاج عند المختصين، أما الثاني فلم يعرف له ترياق، لأنه ابن الانتهازية السياسية.