كتب راشد فايد في النهار: ليست حرباً على "داعش"، فهذه "اسم حركي"، للعرب، الذين يتساوى في استهدافهم اسرائيل وايران وتركيا وروسيا واميركا واوروبا، ولكل منها اهدافه وغاياته ووسائله. يطارد كل منها الآخر، كأشفار مروحة، لكنها، في تلاحقها، تفرم جثة واحدة، وحيدة، هي ما كان يسمى الأمة العربية.

 

 

كان عهد الطوائف، أو دويلات الطوائف، بداية سقوط الاندلس، وهو أعلن سقوط دولة الخلافة في شبه الجزيرة الأيبيرية، لترثها 27 دويلة، تنافست في ما بينها، وتعادت، وتواطأت مع الملوك الاسبان بعضها ضد بعض. ثم تساقطت على أعتاب التاريخ، وصادف سقوط مملكة غرناطة، آخر ممالك الاندلس، نهاية عام 1492، اكتشاف القارة الاميركية على يد كريستوف كولومبوس.

ورثت الكيانات العربية أنقاض حلم ملتبس بالدولة العربية الواحدة، وما يكتنف حيثيات ولادتها المجهضة من أكاذيب دولية، وتآمر أكيد وآمال زائفة، أكد استحالة تحقيقها نحر فلسطين على يد الواعدين، وتواكل الموعودين، وتواطؤاتهم مع الخصم أحيانا، وبعضهم ضد بعض، أكثر الأحايين، كحال ملوك الطوائف مع فرناندو الخامس وإيزابيلّا.

ليس في المتناول معرفة أعداد العرب (والمسلمين) الذين فروا من بلاد الأندلس، تلك الأيام. لكن مؤسسات الأمم المتحدة لم تقصر، اليوم، في تعداد ضحايا الأندلس العربية الجديدة، أي بلاد الشام، وتصل أرقامها، بين لاجئين وشهداء ومعوقين ونازحين في الداخل، إلى 13 مليون نسمة. والمتابع لما يجري يستطيع اليوم، مع فارق نوعية الأسلحة، وتطور الهمجية البشرية، أن يفهم كيف جرى اغتصاب فلسطين، وحجم مأساة الفلسطينيين، أو مأساة الأرمن، وتشتتهم، وأي كارثة مماثلة. كل هذه تقول أمرا واحدا: إن ما يسمى الضمير العالمي والمجتمع الدولي يسهل عليهما أن يرتديا زي المسعف الطبي، أو حامل الغذاء واللباس للجائع والبردان، على أن يقفا في وجه الديكتاتور، والظالم، والمعتدي، إلا إذا أسعف التصدي مصالح من بيده إيقاظ هذا الضمير ومجتمعه.

يتناتش الجميع ما يناسبهم من جثة العروبة، تحت ضجيج "داعش"، أو بحجة محاربتها. لكن حروب الجميع الفعلية بدأت قبل أن يكون لـ"داعش" دور ووجود. سعت طهران منذ مطلع الثمانينات إلى زعزعة استقرار الدول العربية الرئيسية، لتستكمل ما لم يستطعه الشاه، وتل أبيب لم تغير يوما في تصميمها على تهويد كل فلسطين، وحلم موسكو بالبحار الدافئة من عمر ثلوج سيبيريا، أما غفوة العرب فمن عمر الخروج من الأندلس. بينما عند واشنطن لكل أمر حسابه.

تقول الرواية الشعبية إن أبا عبدالله محمد الثاني عشر (آخر ملوك الأندلس) ألقى نظرته الأخيرة على غرناطة من مكان مازال معروفاً باسم زفرة العربي الأخيرة) وبكى فقالت له أمه "عائشة الحرة"«ابكِ مثل النساء ملكاَ مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال».

المبكي أن أحدا غير مستعد حتى للبكاء.