كتب راشد فايد في النهار: ليس ما تشهده المنطقة فوضى خلاقة. إنها لحظة موت عالم قديم يرث فيها القاتل تركة القتيل، ونهجه: حَلَّ "قذاذفة" محل القذافي. وخرج مبارك، ليحلَّ مكانه "مباركون". وفي العراق ورث الضحية الجلاد، وصارت متعة الباكي السابق، أن يتلذذ ببكاء من يتوهم أنه خصمه. وفي سوريا ينافس أسديو التربية الأسد المتأصل في الديكتاتورية، في تصفية بعضهم بعضاً.

 

يرقص الجميع حول نار التغيير بأهازيج دموية بلا إيقاع. لا مفاهيم واحدة، ولا رؤية موحدة. يختلط الطموح الصغير بالعناوين الكبيرة. كيف لشعوب ترعرعت في ظل "الأب القائد" ان تستوعب أن الأب والقائد هو الوطن والدستور والقوانين؟ مَن يَذكر الضابط السوري المنشق، الذي ختم خطابه ضد النظام بامتداح "القائد الأسد"؟ صارت عبادة الشخص فطرية. هل كان موسوليني الفاشي الوحيد في إيطاليا، أم هتلر النازي الوحيد في ألمانيا؟ التاريخ لا يكذب. ولا يقول بذلك.

بعدالحرب العالمية الثانية، تدربت ألمانيا على السلام، عهد كونراد أديناور، المستشار الأول، وغيرت مناهجها الدراسية، لتزيل عبادة الفرد وكُره الآخر. لم يتسنَّ ذلك، بعد، للشعوب العربية. كيف وقد فضحت الحرب السورية موت المجتمع الدولي والضمير العالمي، والعروبة العليلة؟ منطقة بحالها بلا رأس ناظم، منذ وفاة جمال عبد الناصر، اعترفت بزعامته أم لم تعترف. كان إيقاعه يفرض إيقاع الآخرين. بعده تشتت الإيقاع بين الطامعين بإرثه، خصوماً ومقلدين، من الملكيات العائلية، إلى الملكيات المموهة، كالقذافي وصدام والأسد، لكنهم، جميعاً لم يتخطوا حدود بلادهم.

ربما كانت العروبة رباطاً زائفاً، لكن موتها اليوم حقيقي، وأسوأ ما فيه، أنها بلا وريث. لم تحل الدولة – الكيان محل الوهم القومي، ولم تحل وحدة المصالح الاقتصادية والاجتماعية، محل "دولة الوحدة" الغيبية. ضعفت "الأنا" الفردية المريضة في قمة سوريا والعراق، ولم تحل مكانها الأنا الجمعية – الوطنية. باع الأسد سوريا بالمفرق، للانتداب الروسي، بعد المحتل الإيراني، وهو يتحدث عن سوريا الواحدة. يأكل العراق نفسه بالفساد الرسمي والمذهبية المتوحشة والحاقدة، بعدما كان الدولة العربية الوحيدة ذات الاقتصاد المتوازن. أصدر العراق سنة 1932 أول دينار، وكان يعادل 4.86 دولارات أميركية.

تشتعل المنطقة، ويتناتشها كل ذي حَوْلٍ من أميركا الى روسيا وإيران وبريطانيا وتركيا. تجرب موسكو أسلحتها الجديدة في اللحم الحي للسوريين، والعالم يتفرج أو يكتفي بلفت نظر "المتعهد" الروسي، بينما الإيراني يستعير حرباً من زمن كربلاء، التي ترفض الاحتلال الفارسي. وفيما أوروبا لا تجد لمواجهة المأساة، في سوراقيا، سوى إبداء الملاحظات والعتب، يتشاءم "المبرّج" أوباما ويتوقع أن "تستمر الفوضى بعض الوقت". قمة المأساة أن المنطقة كأنها بين خيارين: إما الاستبداد السياسي أو الاحتلال الاجنبي، وصنوه، التدمير.

لكن التاريخ يذكرنا بأن نهاية الانحطاط تعلن بدء النهوض، وقد طال الانتظار.