لم يكن ينقص العام المنصرم سوى ان يكلل وداعنا بدم محمد شطح، الهادئ، المتروي، الحكيم، الديبلوماسي، الحالم بالدولة، الحريص على الدستور. مواصفات يستحق عليها الموت اغتيالا، مثله كمثل رفيق الحريري وشهداء 14 آذار، الأحياء منهم والخالدين في ذاكرة الوطن. كيف يجرؤ على الحياة من يعتقد ان الحوار يؤدي الى الاتفاق، بينما، في مواجهته، ان السلاح وسطوته كفيلان بتوحيد الرأي والرؤية؟ وكيف يجروء على الحياة من يؤمن بحق الدول في سيادتها، بينما يواجه من يستمرئ التبعية حتى الايمان؟ وكما اسلافه سقاة الاستقلال الثاني بدمائهم، يواجه شطح في استشهاده دروسا من "الاساتذة" أنفسهم، عن رفض الاتهام السياسي، اي ضمنا، نسيان التهديدات بايصال لبنان الى الفوضى، وادخاله نفق المجهول. قد "يفتري" البعض على "الحزب المتسلط" ويذكّر بأدبيات التهديد والوعيد التي أطلقها قادته، والتهويل بالأصوليين المتشددين، حتى قبل ان تظهر "داعش" و"النصرة". كذلك تخوين 14 آذار، واتهامها بتغطية "التكفيريين"، وتحريف كلام على خطر المتشددين في كل طائفة، قاله رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة في يوم التضامن مع طرابلس، فاذا بـ "الأمين العام" الاشهر يخرج جملة من النص، وينسب الى الاول اتهام الطائفة الشيعية، وحدها، وبكاملها، بالتعصب. والسبب؟ اذا قيل انه شد العصب المذهبي، يتهم القائل بالفتنة، بينما "المحرّف" تجلله القداسة. لكن علينا جميعا ان نؤمن بأن اسرائيل هي من اغتال الحريري والحق به كل الشهداء. لا ضرورة للتساؤل: لماذا "تتخصص" اسرائيل بإغتيال قادة 14 آذار؟ لاشعال حرب داخلية؟ وهل هي من الغباء كي تستمر في اغتيالات لم تثمر فتنة أو حرباً؟ ولماذا تستهدف اطرافا ليس لديهم "قديسون" متهمون؟ اللافت ان النظام السوري "غفل" عن اتهام اسرائيل، والتقى مع الحزب على اتهام التكفيريين الذين استنبطهم من أقبيته و"تخريفات" نهاية أيامه! لكن الحزب مضطر الى تقبل اتهامه باغتيال الوزير شطح، لانه بات صعبا على اللبنانيين معرفة الحدود الفاصلة بينه وبين ايران والنظام السوري، لأن الحزب لم يفوت مناسبة من دون ان يؤكد ذلك. اغتيال محمد شطح، اغتيال استراتيجي، كغالب الاغتيالات التي أصابت رجال ثورة الأرز. انه ليس اغتيالاً تذكيرياً، وتكتيا، كبعضها، الذي كان، لإفقاد ١٤ آذار أغلبيتها النيابية. اغتيال، يليق الاتهام السياسي في ارتكابه بعض طهران التي تخوض معارك اللحظة الاخيرة في الانبار، عبر المالكي الذي يتحدث عن حرب الحسين ويزيد الجديدة، وعبر بشار الذي يستميت لاسترضاء الغرب بحجة مكافحة الارهاب الذي استنبطه، وفي لبنان، حيث يستنفر الحزب اياه قدراته، تهديداً ووعيداً، ليوقِّع اللبنانيون صك إذعان لدوره الايراني. رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وتنتهي أيضاً بخطوة، لم تعد بعيدة، على درب السيادة.
2013-12-31