سيتذكر الرئيس السوري، يوم يبيت مخلوعا في زنزانة، أو منفيا في قصر، كل من وقف بجانبه أو ضده، لكن أكثر من سيلح في خاطره ايران والسعودية وقطر وتركيا: الأولى، لأنها لم تقصر في دعم غيه، والثانية لأنها لم تقصر في محاولة ثنيه عنه، والثالثة والرابعة لأنهما لم تتأخرا في الرد على تعامله، السيئ والمسيء، مع وساطتهما في الأزمة الحكومية اللبنانية، قبل عام.
لكن الذكرى السعودية سيكون لها طعم مختلف. فما انتهت إليه الرياض في علاقتها مع النظام الأسدي يتعاكس تماما مع ما كانت مارسته في أول قمة عربية إقتصادية في الكويت في 19 كانون الثاني 2009، يوم دعا الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى مصالحة عربية شاملة،لاسيما في ظل ما كانت تتعرض له غزة تحديدا، وبادر إلى إسقاط ما يبعد بينه وبين بشار الأسد، معطيا نموذجا في الصفح، كرسه لاحقا في قمة رباعية في الرياض ضمتهما مع أمير الكويت ورئيس مصر السابقين.
كان في أساس التصادم استنكار الرياض توريط لبنان في حرب تموز 2006، وما أعقبها من تطاول الرئيس السوري على القيادات العربية في لحظة انتشاء سياسي بما سمي نصرا، لأن اسرائيل دمرت لبنان، ولم تنجح في تصفية الأمين العام الأشهر.
وكان في أساس المصالحة إنهاء الخلاف الفلسطيني ووقف التوتر السياسي في لبنان، بعد "اليوم المجيد" الذي حققته ميليشيا "حزب الله" في شوارع بيروت في 7 أيار 2008، إضافة إلى تحقيق وحدة الموقف العربي عموما. لكن نيات نظام الممانعة في الكويت ثم الرياض، غيرها في دمشق. فلقد افشل "إتفاق مكة" بين "حماس" و"فتح"، واسقط حكومة سعد الحريري بعد سنة ونيف من ولادة متعثرة وحياة مضطربة، وساهم في إنقلاب سياسي مسلح عليها.
رغم ذلك، ظلت المملكة على منطقها في مداراة السوء بالحسنى، ولربما ظنت، ككثيرين، أن رأس النظام بعيد عن جرائمه. لذا لجأ الملك عبد الله بن عبد العزيز، في رمضان الماضي، إلى توجيه رسالة يدعوه فيها إلى التعامل مع الأحداث "بالحكمة والعقل".
لكن، بعد اعتقال ما يفوق المئة ألف سوري، ونزوح مايزيد على 15 الفا، واستشهاد أكثر من 9 آلاف، وتحويل حمص،وغيرها، إلى ستالينغراد، وبمواكبة الرغبة في عدم التدخل العسكري الدولي، وسقوط النصائح السعودية هباء، لم يعد أمام خادم الحرمين الشريفين سوى أن يرفع "فيتو" إنسانيا في وجه الفيتو السياسي الروسي والصيني، وأن يترجم الوزير سعود الفيصل، ونظراؤه العرب، ذلك بطلب قرار دولي بنشر" قوة حفظ سلام عربية أممية للمراقبة وحماية السوريين".
هو حق نقض يستمد شرعيته من احترام الحياة البشرية وقيمتها، وهو ما يستحقه الشعب السوري خصوصا، وكل الشعوب.

2012-02-14