"ليس الموقف الروسي من التدخل العسكري الدولي في الازمة السورية سوى صدى للموقف الغربي المضمر". أسرّ بذلك صديقي المستشرق الروسي قبل نحو عام، وما قاله وزير الخارجية الفرنسي، قبل أيام، ومفاده أن "الجانب العسكري فيها هو شأن سوري" يؤكده مجددا. ذلك لا ينفي ان يقدم "المجتمع الدولي" للمنتفضين على النظام تقنيات تسهل عملياتهم العسكرية، لكنه يؤكد، في المقابل، أن السوريين يواجهون مصيرهم بصدورهم ويسددون أغلى أثمان الحرية في الربيع العربي.
سيكتب التاريخ، لاحقا، أن ربيع سوريا لم يكن كربيعي مصر وتونس اللذين "رعتهما" المؤسسة العسكرية في كل منهما، وراعتهما، ولا كربيع ليبيا الذي صانته، وتقدمته قوات حلف شمال الاطلسي، أو أي ربيع آخر مر بسلاسة سواء في المغرب او الجزائر وغيرهما. هو أقرب الى انتفاضة المجر عام 1956، التي تشجعت بما شهدته بولونيا قبل فترة، لتواجه بيروقراطية النظام الشيوعي، وسطوة الاتحاد السوفياتي، واضطرت الى مواجهة الجيش الاحمر لأكثر من اسبوعين أفضيا الى اجهاضها. يومها، ورغم اشتداد الحرب الباردة، لم يتحرك "المجتمع الدولي" نفسه، لدعم الثوار، والسبب الحسابات الخاصة بأطرافه: فالولايات المتحدة الاميركية كانت منشغلة بتسهيل هزيمة "الامبراطوريتين" الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية في حرب قناة السويس، ولو شملت ربيبتها اسرائيل الشريكة في العدوان الثلاثي على مصر. فأحلام السيطرة العالمية بدأت تداعبها، وهي التي حررت أوروبا عسكريا من النازية، وأنقذتها اقتصاديا بمشروع "مارشال" الشهير. اليوم، تنشغل أميركا بانتخاباتها الرئاسية، ولا تستطيع فرنسا او بريطانيا وايطاليا خوض حرب من دون قدراتها التقنية والقتالية، وما قامت به باريس في ليبيا، وأتاحه ضعف الامكانات الحربية لنظام القذافي، غير متوافر في الحالة السورية المدعومة بقدرات ايران و"حزب الله". لكن اليوم غير الأمس، وما انتهت اليه الانتفاضة المجرية لن يكون مصير الثورة السورية، لأن تواطؤ القوى الدولية على عدم التدخل، لا يلغي الدعم الشعبي، وغير الشعبي، العربي بالمال والسلاح لها، يعززه ارادة أبنائها الصلبة في النصر، من دون ان يشجع ذلك على توقع انجازه سريعا، إلا أنه يفتح الباب امام التساؤل: إلى متى يقاوم الجيش السوري انتماءه الى شعبه؟
حينما ذهبت القوات السوفياتية الى بودابست في 24 تشرين الاول 1956، حمل المدريون السلاح للدفاع عن النفس، بعدما كانوا يتحركون سلميا لتحقيق مطالبهم تماما كما انطلقت الثورة السورية. وفي 4 تشرين الثاني، بدأ الهجوم السوفياتي الثاني على بودابست بعدما سحبت موسكو قواتها المستعملة في الهجوم الاول لأنهم أصبحوا "مصابين بروح التمرد" و"عديمي الثقة".
النظام الأسدي يستخدم جيش سوريا ضد شعبها منذ 17 شهرا، وروح التمرد تسللت اليه لكنها لم تفجر غضبه الكبير بعد.
ربما الانتظار يجدي.

2012-08-28