"عندما يصدر القرار الإتهامي ويتهم عناصر من حزب الله، ينكشف البلد"
الكلام للأمين العام، وهو، ككل نصوصه، من نوع الأحكام القاطعة، على "المؤمنين" الأخذ بها بلا نقاش، وإذا كان من بينهم من يريد المحاججة، فلتعزيز ايمانه.
لكن، وللمصادفة، هناك من لا يؤمن بالكلام ولا بالأفلام المركبة، وداتا الاتصالات، وأجهزة التجسس "المكتشفة" على رؤوس الجبال.
هؤلاء، من سلالة القديس توما الأكويني، يؤمنون بما يرون.
وما يرونه، إستنتاجاً من التهويل المستمر بـ"فتنة سنية – شيعية "، هو ان الامين العام يشير، في قوله، الى تخريب اسرائيلي - اميركي تحت مظلة صدور القرار الإتهامي الذي يتوقّع، هو ولا أحد غيره، ان يتهم حزبه، عبر عناصر منه.
لم يشفع كل قول من المحكمة الدولية والمهتّمين العرب وغيرهم، وحتى وزيرة الخارجية الاميركية، بأن القرار الإتهامي سيصيب افراداً، لا هيئات ولا جماعات ولا دولاً، في ثني الامين العام عن افتعال المخاوف.
ولم تشفع لديه أيضاً الحقائق التي تقول إنّ الفتنة لو كانت كامنة، ونائمة، لكانت استفاقت ودهمت لبنان منذ أشهر، تحديداً، منذ بدأ حملته الخطابية لـ"كسب الرأي العام"، كما قال، لا لإقناعه.
ذلك يشي، الى جانب شواهد كثيرة، بأن المطلوب ليس تأكيد التعفف عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فحسب، بل الإنقلاب على الصيغة اللبنانية، وعبرها النظام العربي العام.
فمن يقول اليوم إن المقاومة لا تحتاج الى حماية أحد، بعدما كان يسعى الى انتسابها الى جميع اللبنانيين، يمكنه ان يتراجع غداً عن قوله الشهير - وهو مناقض للوقائع التاريخية - "إن المقاومات في كل دول العالم تقبض على السلطة عند انتصارها على العدو الخارجي، فيما المقاومة الإسلامية لا تريد ذلك لأنها تعرف طبيعة التركيبة اللبنانية".
بدأ الأنقلاب عملياً في 7 أيار 2008، يوم أثبت "السلاح المقاوم" أنّ في إمكانه ان يتورط في الداخل ليرجح الكفة الشعبية الأضعف.
كان ذلك عملية "إذاقة طعم" التفوق المسلح لمن لا يؤمنون بالتجارب المزعومة للمقاومة الفرنسية ومثيلاتها التي تحدث عنها الامين العام، والتي لا صحة لما نسبهُ اليها في الوقائع التاريخية.
ليس بعيداً من الانقلاب الهادئ التمادي في السطو على وزير من كتلة رئيس الجمهورية، ومحاولة السطو على صلاحيات رئيس الحكومة، من فرض جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء، وتسلسل بنوده، الى محاولة "أمره" بالعودة، في أقل من 12 ساعة، الى البلاد، للوقوف على "توجيهات" الثلث المعطل تجاه المحكمة الدولية، وصولا الى فرض تحديد ذاتي لـ"الخط الوطني المقاوم"، بما في ذلك من تمييز يجعل من اللبنانيين الذين لا يرون رؤية كتلة "الوفاء للمقاومة" ورهطها، غير وطنيين وغير مقاومين ، بمقياسها، تماما على مجرى ما كانت عليه حال اللبنانيين من تنابذ بهذه الصفات خلال فترة تحاربهم البائدة.
كذلك ليس بعيداً من هذا الإنقلاب ما ينوي الاتحاد العمالي العام تنفيذه من تظاهرات الشهر المقبل ترفع شعارات الجوع وتحسين الاحوال المعيشية التي ينساها قادته حين يزمع الحزب القائد تطرية الاجواء، ثم يتذكرونها "بالمصادفة" حين يتحضر لقلب الطاولة، كما في السنوات الخمس السابقة.
لكن من دون الاسترسال في سرد الوقائع، وهي كثيرة، لا تبدو آفاق الانقلاب مفتوحة أمام أهدافه، وفي طليعتها اطاحة التوازن السياسي الوطني لمصلحة فرض هيمنة لطرف حزبي – سياسي – ديني – مذهبي على ما عداه، لمعاندته هوية المنطقة بارتباطه باستراتيجية إقليمية لا تتواءم معها في المدى البعيد، وإن تكن تتماهى وإياها في الصراع العربي - الاسرائيلي والقضية الفلسطينية في التفصيل الراهن.
في ذلك تفسير للتحرك العربي السعودي – القطري، والاقليمي التركي، وفريق الاتصال الدولي الفرنسي – الاميركي – المصري المعلن عنه. وما اللقاء القطري – التركي – السوري في دمشق إلا للتوعية على أهمية إعادة تفاهم دمشق – الرياض ومخاطر الاختلاف.
كل ذلك تحت سقف اللاعودة الى ما قبل الساعة الواحدة إلا أربع دقائق من الرابع عشر من شباط 2005، أي موعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تبعه من إعلاء صوت الاستقلال والسيادة الوطنية مع توازن العلاقات اللبنانية – السورية من إضافات لغوية تبطن أكثر مما تعلن.

2011-01-18