هل يمكن ان يصدقنا القارئ ونحن نحدثه عن أهمية إعمال العقل والعودة الى الحوار، والتسليم بمقتضيات الديموقراطية، فيما نحن ضحايا التهديد بإحراق مؤسساتنا، والاعتداء على حرياتنا وكراماتنا، وفيما نتلمس سلامة ارواحنا بالانطواء في بيوتنا وتجنب "استفزاز" مزاج مقاومي السلم الاهلي برؤية وجوهنا وبطاقاتنا المهنية؟
وهل يمكن ان نجرؤ على سحب اقلامنا للكتابة، فيما سحبت المقاومة سلاحها في مواجهة اسرائيل الى مواجهة آرائنا، واحلت مجلة "الشراع" و"المستقبل" جريدة وتلفزيونا، واذاعة "الشرق" محل بنت جبيل ومارون الراس وعيناتا ورب ثلاثين؟
ليس نقل المناورة على الورق للسيطرة على بيروت التي اجراها "حزب الله" قبل بضعة اشهر (كما روج انصاره حينها) الى حيز التطبيق، سوى تأكيد ان الدعوات الى الحوار، والسجالات حول شروطه، لم تكن سوى لتجزية الوقت وملء الفراغ السياسي وصولا الى الوقت المناسب لاملاء الاستسلام السياسي، بعد فرض تغييرات على الارض بقوة السلاح الذي كان اللبنانيون محضوه كل الثقة ليكون مقاوما.
واذا كان من استنتاج اساسي مما جرى، فهو ان فئة من اللبنانيين لم تتعظ من الحرب الاخيرة ولم تتعلم ان رفع السلاح (اي سلاح) في وجه الآخر ليس تعبيرا عن قوة حامله بل عن ضعف حجته، وإن سوق لتبرير مغامراته العسكرية باسكات وسائل الاعلام التي لا ترى رأيه ولا تروج لمسوغاته في استخدام القوة.
واذا انطلى على البعض تبرير "حزب الله" اقتحام بيروت برفضه القرارين الحكوميين الشهيرين، فان اي حجة قدمها – او قد يتدارك ويقدمها لاحقا – للاعتداء على المؤسسات الاعلامية، لن تجد آذانا صاغية من اصحاب الحد الادنى للمنطق. وحدها علة اسكات الصوت المختلف تعطي منطقا، وبالطبع مرذولا، لما جرى. ووقائع الحرب السابقة تزخر بمشاهد مشابهة بعضها دموي بررته الميليشيا التي ارتكبته حينها بان المنفذ مجموعة من عناصرها تمردت على قرار مركزي يرفض وقوع ما وقع. ومن المفيد ذكر ذلك حتى لا يسوق احد هذه الحجة هذه المرة، وخصوصا ان بعض الزملاء مرروا في طيات "عتبهم"، في هذا الصدد، على "حزب الله" تبريرا لفعلته باعتبارها رد فعل – كادوا ان يصفوه بالمنطقي والطبيعي لولا بعض الحياء المهني – على قراري الحكومة.
والسؤال الذي لم يسأله العاتبون بود على الحزب هو: ما الذي يمنع الاعتداء على المؤسسات الاعلامية ان يمتد الى الاعلاميين انفسهم؟
وماذا يمنع متفلتا من اي منطق الا تعجبه سحنة صحافي عبرت صورته مرة امام ناظريه فيرديه بالاهانة ان لم يقتله بالسلاح؟
وماذا يحمي صحافيا اعزل من سلاح فتى قاصر جعلته التعبئة والشحن ضد "عملاء الداخل" لا يعرف سوى تصنيف الناس، كل الناس، بين من هم معه ومن هم ضده، والصحافيون في الطليعة منهم؟
اخطاء كثيرة ارتكبها "حزب الله" في اقحام سلاحه في الوضع الداخلي ابرزها استهداف الحريات العامة واساسها حرية التعبير ممثلة بالاعلام، واعلاها راية وضع سلاح المقاومة موضع نقاش داخلي انقسامي بسبب ما ارتكب في الايام الاخيرة، وتعريض من ينتسبون اليه وينسبهم اليه الى ردود فعل شعبية متناقضة عند اي حرب اسرائيلية جديدة، وهي ليست مستبعدة. فوزراء حكومة تل ابيب لم يتأخروا في التلميح اليها وتبريرها، كقول نائب رئيس الحكومة حاييم رامون انه يجب النظر الى لبنان، بعد ما جرى، على انه بات "دولة حزب الله". وقول آمنون شاحاك رئيس الاركان الاسرائيلي "ان اندلاع صراع داخلي في لبنان يفيد اسرائيل في قتالها مع حزب الله". او دعوة وزير الاديان يتسحاق كوهين الى مطالبة مجلس الامن بوقف النقاش في تجديد القرار 1701. وكلها آراء تعكس خلاصة واحدة هي ان ما اقدم عليه الحزب يسهل لاسرائيل ضرب كل لبنان.
هذه التهديدات تتغذى من انكشاف الحزب في الداخل تحت اضواء الانقسام الوطني حول هوية سلاحه: اهو مقاوم لاسرائيل، او مقاوم لكل من وما يحلو لحامله وصفه بالعدو؟
وفي ظل هذه التهديدات الا يفتقد "حزب الله" قوة السلاح، على الاقل سندا الى ما يؤكد. لكنه سيفتقد من وما هو افعل وقد جربه في السابق. انه الاجماع الوطني حول المقاومة وسلاحها والذي خبره في حرب تموز ثم انكره وشكر عليه جماعات بعينها بعدها، ثم اهدره بحجة حماية السلاح بالسلاح.
دروس التاريخ لا تلي التجارب فورا. الوقت ينال وقته. والجروح العميقة لا تندمل في سرعة، والاخطاء قد تنسى لكن الخطايا لا تمحى واولها الحق في الاختلاف بالرأي.

2008-05-13