ينتظر اللبنانيون من الرئيس نبيه بري اليوم، عقب اعلانه عدم اكتمال النصاب، ان يدعوهم الى تجنب معاشرة القلق، وانتظار موعد الجلسة المقبلة بأقل قدر من المخاوف، على ألا يخفي عنهم امكان توجيه هذه الدعوة ثانية وربما لا تكون أخيرة، في انتظار الايام العشرة التي تسبق تفريغ قصر بعبدا من "مستوطنه".
فقد صارت مملة هذه المناقشة السياسية، وزجل التهويل بالفوضى والحرب الاهلية، وتهم تنفيذ مخطط أميركي يستكمل "سفك واشنطن دماء الابرياء في العراق وأفغانستان"، من دون ذكر من ساعدها وقدم اليها ما يعزز معلوماتها الاستخبارية ثم انقلب عليها ليتفرغ لاستراتيجيته الاقليمية أملا في التفاتة منها اليه تمنحه دورا سبق ان عهدت فيه اليه، او تقر لآخر بتقاسم "الوكالة" التي تعطيها لاسرائيل منذ زرعت.
كما صار مملا النفس "الغاندي" الذي تتحلى به قوى الرابع عشر من آذار، وإن يكن مفهوما ولا يقبل جمهورها ان تلعب غيره منذ ان انكفأ هذا الجمهور عن محاصرة مستوطن بعبدا عام 2005، محافظة على لا دموية "ثورة الارز" ودستوريتها.
ما قد يزيد في تعزيز التفاؤل الذي قد يوحيه كلام بري المأمول، ما ينتظر ان تشهده أروقة الامم المتحدة خلال الجمعية العمومية من لقاءات وما يشهده مؤتمر السلام الخريفي من تقدم ابرز عناوينه دعوة سوريا الى حضوره. يضاف الى ذلك التنسيق السعودي – القطري الصامت، وما للرياض من دور حاضن للهم اللبناني عكسه باستمرار، وبرغم كل الاساءات والعقبات، سفيرها في بيروت. وما للدوحة من "علاقات مميزة" مع دمشق كانت مناقشات مجلس الامن في صدد انشاء المحكمة الدولية أبرز صورها، ومع طهران، بحكم "الأمن" الجغرافي والثروة الطبيعية القابلة للتهديد، عدا المصالح المشتركة التي تسمح بتجاهل سوري – ايراني لوجود قاعدة السيلية، وحتى اغفال دور هذه القاعدة اللوجستي لمصلحة اسرائيل – طبعا – خلال حرب تموز الفائتة.
صحيح ان صيحات الحرب الاميركية المحتملة ضد الطموح النووي الايراني تتصاعد والاشارات الى شد الاحزمة لاقلاعها تتزايد، كما صحيح ان أمائر التضييق على سوريا تتواتر، من خرق سيادتها على اجوائها الى ضرب مواقع فيها يقال انها تضم منشآت نووية. لكن كل ذلك لا يكفي للقول ان الحرب على قاب أيام.
كذلك، صحيح ايضا ان طهران تبدو، في كلام رئيسها احمدي نجاد كأنها تستطيب أن تقع الحرب اليوم قبل الغد، لتوهمها ان الفرصة مؤاتية لفوضى تكون خلاقة بحسب رؤيتها الى مستقبل المنطقة، كما هو صحيح ان دمشق تنفخ عضلاتها امام مرآة الوضع الاقليمي استنادا الى تموز "حزب الله" ونووي طهران، لكن الصحيح كذلك ان واشنطن، وان تكن تنفث رياح الخماسين من جهة، تبحث عن رياح قطبية من جهة أخرى، لان العقوبات الاقتصادية هي الحرب بوسيلة اخرى، لا سيما اذا شددت على الطرفين.
الى ذلك ولأن للبنان وضعا خاصا في محيطه العربي، ولايران الشيعية، وضعا خاصا في العالم الاسلامي السني، فان التخويف بحرب أهلية يصلح لتهويل المهولين من المعارضة لكنه لا يناسب طهران التي ستحتاج، في الحرب الحار منها والبارد الى مؤازرة اسلامية لن تكون متاحة اذا تحول شيعة لبنان متراسا لـ"حزب الله" ومن وراءه.
لكل ذلك، يمكن الرئيس بري ان يرفع من درجة تطمين اللبنانيين وتهدئة مخاوفهم، خصوصا ان "حزب الله" قائد الاقلية السياسية، لا يخفي توقعه ان يضطر الى هدنة لسنة او سنتين على أمل ان يعود الى لعبة الخيم في وقت اكثر مواءمة وافضل ظروفا، لا سيما اقليميا، وهو توقع مبني على أساس انشغال المجتمع الدولي بغير ايران السند الاول والعاصمة الاممية لعقيدته السياسية وغير السياسية.
اليوم، يشهد مجلس النواب تمرينا على عودة الود بين نواب الاكثرية ومن قد يصادفونه من نواب الاقلية في الاروقة او في مقاهي ساحة النجمة. تمرين يسبق مباراة حاسمة على الرئاسة في أيام "الشر المستطير" اذا توافقت لجنة الحكام الدوليين – الاقليميين على قواعد اللعبة وخطوط التماس.

2007-09-25