يسجَّل للنائب محمد رعد رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" انه نقل موقف حزبه خطوة الى الامام في موضوع رئاسة الجمهورية، ولكن في اتجاه التأزيم، وليس الحل.
ومن يقرأ خطابه الخميس الفائت (صحف الجمعة) يستنتج انه لم يأت بجديد سوى تبديد اوهام التوافق حول شخص الرئيس الذي جعل منه الرئيس نبيه بري تسمية لمبادرته المبسطة في العنوان، والمعقدة في التفاصيل. فخلافا لما يقوله رئيس المجلس، أظهر رعد ان الخلاف ليس على شخص الرئيس المنتظر، بل على ما يجب ان يلتزمه، ليس حيال لبنان واللبنانيين جميعا، بل حيال "حزب الله" دون غيره، اذ "لا يعنينا (والكلام لرعد) اسم الرئيس المقبل ولا شكله ولا لونه ولا طعمه (...) ما يعنينا هو توجهه وماذا سيعمل من اجل حفظ المقاومة وتعزيز قدراتها ورعاية اهلها" (الحزب ام الطائفة؟)...
الاستنتاج الاول مما قاله رعد هو جر المناقشة الى موضوع تجنب حزبه الخوض فيه تحديدا منذ حرب تموز، ولم يرد على دعوة قوى 14 آذار الى كل الاطراف مطلع حزيران الفائت بعد اقرار المحكمة الدولية في مجلس الامن، الى مناقشة قضايا تأسيسية في تاريخ الوطن، منها سلاح المقاومة. وهي مواضيع تعيد الجميع الى طاولة الحوار التي قوضت حرب تموز دعائمها، ليبقى موضوع سلاح "حزب الله" وكذلك السلاح الفلسطيني معلقا، ومعه مصادرة قرار السلم والحرب الى خارج سلطة الدولة.
ورعد ذهب في ما قاله في شكل اوضح واصرح مما عبر عنه الرئيس نبيه بري في ما نقلت عنه الصحف قبل كلام رئيس كتلة الحزب النيابية. ففي تقدير رئيس المجلس ان انتخاب رئيس جديد سيجعل القرار 1559 مطبقا كاملا بينما يصبح موضوع سلاح المقاومة تحت القرار 1701.
وللعلم ينص القرار 1559 في بنده الاول على "احترام سيادة لبنان وسلامته الاقليمية (الخ) تحت سلطة حكومة لبنان دون منازع في جميع انحاء لبنان". بينما يدعو البند الثالث الى "حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها"، في المقابل يشترط القرار 1701، الصادر عقب حرب تموز، على "الا يكون هناك سلاح من دون موافقة حكومة لبنان"، وهو نص تكرر مرتين في المقدمة وفي البنود.
الواضح ان "حزب الله" لا يعنيه من رئاسة الجمهورية سوى تنازل الرئيس العتيد سلفا عن حق الدولة في احتكار السلاح وقرار السلم والحرب، وان ما يريده هو العنوان القديم – الجديد لدوره اي تأبيد السلاح في يده، لا المشاركة في بناء الدولة الواحدة والوطن الواحد. وما يريده، فوق ذلك "رعاية اهل المقاومة وضمان حقوقهم" اي عمليا، اما ايجاد طبقة اجتماعية تسمى "المقاومة واهلها"، على نمط "مجاهدي الجزائر" الذين كان لهم الفضل الاول في اهتراء دولة الجزائر المستقلة، بسبب "امتيازات" انتزعوها بقوة الماضي، واما اعتبار من يلوذ بالحزب من الطائفة الشيعية الكريمة ذا حقوق مميزة عن بقية اللبنانيين.
واذا كان من غير المجدي محاولة تحليل نص محمد رعد، لكون اقرانه من نواب الحزب سيتولون في الآتي من الايام "اصدار" تفاسير لما قصد، فمن البديهي التساؤل، باسم اللبنانيين الآخرين الذين هم من "اقرباء" المقاومة وانسبائها، بدليل ما دفعوه من ضريبة الحرب بالامس، ومن ضريبة الصراع مع اسرائيل منذ المقاومة الاولى، سواء الفلسطينية او اللبنانية التي سبقت مقاومة الحزب ولا يستطيع احد ان ينسى دورها وفعلها، فهؤلاء يتساءلون منذ التحرير في 25 ايار 2000 عن استراتيجية المقاومة الحالية بعدما تمددت اهدافها من تحرير الارض الى تحرير الاسرى. فرغم ان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله حصر الاهداف بالاسرى الثلاثة (واحيانا الاربعة) وبمزارع شبعا، في خطب عامة، خلال مرحلتي الحوار والتشاور، مخلياً الساحة للعمل الديبلوماسي في ما خص المواضيع الاخرى، لاسيما المياه، فان رئيس كتلته النيابية، في خطبة الافطار الخميس الفائت اعاد ربط وجود المقاومة بموضوع المياه.
النائب رعد يريد تطمينا لحزبه الى ان سلاحه باق، ومعه تبقى الدولة دولتين، كأنه لا يكتفي بما تردده قوى الرابع عشر من آذار، سواء وهي في بيروت او على درج قصر الاليزيه الفرنسي او في حديقة البيت الابيض الاميركي، من ان سلاح المقاومة هو موضوع لبناني يبت داخليا. فما قاله رعد كان خلاف ذلك: سلاح المقاومة خارج المناقشة، وهو ترجمة غير حرفية لقول الامين العام، بعد حرب تموز: "ابنوا دولة قوية ثم تعالوا الينا".
فهل يعني ذلك: كونوا اقوى منا فنسلم سلاحنا؟
دعوة الى حرب داخلية لا احد يريد تصديقها، لان كلام رئيس كتلة الوفاء النيابية تشي بان قضية "حزب الله" هي بقاء السلاح، لا استمرار المقاومة، لان الامر الاول، في منطقه خارج المناقشة، اما اذا كانت القضية في الثاني فان من بديهيات الامور ان يناقشها كل اللبنانيين. فمنهم من قاوم بالسلاح، ومنهم من قاوم بتحمل الخسائر المادية، ومنهم من قاوم باحتضان النازحين وايوائهم، ومنهم من قاوم بتحمل فقدان اهله وعمله، صحيح ان للمقاومة اهلها، لكن الصحيح ايضا انهم على امتداد الوطن، من بنت جبيل جنوبا الى العبدة شمالا، وغزير جبلا... والانتقائية معصية وطنية.

2007-10-02