الأسوأ مما حدث في الإسكندرية، رد الفعل عليه.
والاسوأ من الإعلان عن أن الفاعل مختل عقلياً، اعتقاد معلن الأمر أن هذه الرواية سهلة الـتصديق.
فما حدث في المدينة المصرية البحرية يعبِّر عن خلل في المجتمع المصري، مثله مثل المجتمع اللبناني وغالبية المجتمعات العربية ذات التنوع الطائفي والمذهبي التي لا تزال احقادها الاجتماعية تحت رماد شعارات الأخوة الوطنية والانتماء الواحد.
بالأمس، في الخامس من شباط الفائت، تجرأت الدولة اللبنانية، واتهمت بأحداث الأشرفية من سمّتهم "مخربين" حاولوا تحت غطاء نصرة الرسول في وجه الدانمرك (؟) الاعتداء على مواطنين مسيحيين.
لم تلجأ حكومة فؤاد السنيورة للهرب الى الأمام باتهام مختلين عقلياً بارتكاب ما حدث، أولاً: لأن الجريمة تكونت من مجموعة وقائع تناثرت في رقعة جغرافية محددة، وثانياً: لأن إدعاء كهذا لا يسْهل انطلاؤه على اللبنانيين الذين توصلوا بعد سنين الحرب الى أن أفضل وسيلة لردع خطر الانقسام هي مواجهته وتحديده وكشف الساعين إليه.
في مصر، اختير الحل الأسهل: اتهام مختل عقلياً بالاعتداء على الأقباط، في محاولة غير ذكية لإسكات الفتنة ترفع عن الدولة مسؤولية البحث المعمق في الخلل الاجتماعي والسياسي الذي أدى الى الإعتداء.
في تحليل سابق للحرب اللبنانية أن الموارنة شكلوا طبقة – طائفة احتكرت الامتيازات وحرمت الطوائف- الطبقات الأخرى من المساواة، مما أعطى سبباً للحرب، وهو وضع لا ينطبق على أقباط مصر المتنوعين في انتماءاتهم الطبقية بوضوح يكرسه عددهم الذي يفوق العشرة ملايين نسمة.
وإذا كان من مكان لمنطق الامتيازات، على النمط اللبناني، فإن وضع الأقباط هو في موقع النقيض: فهذه الأقلية نسبياً في مصر(6/1 من المصريين قبطي) لا تشعر بتكافؤ الفرص ويصيبها الحرمان من دخول "ملكوت" القطاع العام، وتحديداً بعض الوزارات والجيش.
ان اللجوء الى مختل عقلياً لتحميله المسؤولية ليس جديداً في منطق حاكمي العالم العربي، تحديداً في مصر. فيوم هاجم سليمان، العسكري في حرس الحدود المصري، سياحاً اسرائيليين عام 1986، كان التبرير إنه مختل عقلياً وليس أن الصلح المنفرد غير مقبول شعبياً. والواقع أن هناك اختلالاً ليس في عقل الموقوف المصري، بل في الذهن العربي عموماً وذهن الحاكمين عبر التاريخ خصوصاً: فالإيمان بقيام الدولة لم ترافقه ارادة الإنتماء إليها، فتكوّن الوطن من رعايا طوائف وقبائل وعشائر ومناطق، لا من مواطنين بدليل تدخل قيادات الطوائف والانتماءات الأخرى، عند كل مشكلة للدعوة الى التهدئة. وما ينطبق على مصر ينطبق مثله على لبنان، وعلى غيرهما، وسينطبق في كل مكان لم تثبت الدولة وجودها فيه سوى في العنوان وليس في البنيان السياسي والاجتماعي والثقافي. وهي حال العرب (والعالم الثالث) من العراق حيث الأولية لمواجهة ضمنية سنيةـ شيعية الى لبنان حيث قطبا الرحى في الحوار (والخلاف) هما السنة والشيعة، وصولاً الى مصر حيث يوضع السني في مواجهة القبطي، وصولاً الى الجزائر حيث السني يواجه السني، في ظلال خلافات أخرى صامتة حيناً، وصارخة أحياناً، بين الأقليات العرقية والأكثريات العربية. فحيث لا مشكلة طائفية نجد أزمة عرقية. وفي أغلب المواقع تختلط الصراعات وتتشابك. والسبب؟ نشأت الدول في أرض العرب على انقاض الخلافة العثمانية وريثة الخلافة الإسلامية، ورسمت الحدود بخطوط القوى الكبرى، لا بقوة المصالح اليومية، وحين تولت النخب الوطنية الأحكام بعد زمن الانتدابات، حملت الى سدة القيادة تخبطها بين رغبة في العودة الى الخلافة وإرادة استمرار البنية السياسية المستحدثة كغطاء لمصالحها الضيقة، أفراداً وجماعات طائفية ومناطقية. فلا عادت الى الماضي، ولا بنت المستقبل، ولم تتخلص من القبلية والطائفية، ولم تتوصل الى تحقيق المواطنية، وأسست لفصام شعبي عام بين الهوية المكتوبة والهوية المضمرة في النفوس. وكلما وقعت حالة، كالتي شهدتها الإسكندرية وقبلها بيروت، تأكد أن الخلل الناجم عن غياب الهوية الجامعة والثقافة الوطنية الواحدة هو السبب، وليس عبور مختل عقلياً بمكان الحادث.

2006-04-18